اسماعيل بن محمد القونوي

164

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( ومثل هذا التبصير تبصره ) يعني أن اسم الإشارة في مثل هذا المقام إشارة إلى هذه الإراءة لا شيء آخر يشبه به هذه كذا أفاده العلامة التفتازاني توضيحه أن ذلك إشارة إلى مصدر نرى لا إلى إراءة أخرى مفهومة من قوله تعالى : إِنِّي أَراكَ [ الأنعام : 74 ] والكاف مقحم لتأكيد ما أفاده اسم الإشارة من الفخامة فصار الحاصل وذلك التبصر البديع تبصر إبراهيم عليه السّلام . قوله : ( وهو حكاية حال ماضية ) وحكاية الحال الماضية عند النحاة أن القصة الماضية كأنها عبر عنها في وقوعها بصيغة المضارع كما هو حقها ثم حكى تلك الصيغة بعد مضيها كذا في الحاشية السعدية في أواخر سورة النون كان ذلك الزمان موجود الآن . قوله : ( وقرىء ترى بالتاء ورفع الملكوت برفع التاء ) أي بإسناد الفعل إليها ( ومعناه تبصره دلائل ربوبية ملكوت السماوات ) فعلوت من الملك وهو أعظمه وهو عالم المعقولات كذا قاله على القارئ في شرح المشكاة . قوله : ( ربوبيتها ) إشارة إلى أن الملكوت مصدر قال الراغب انه مختص به تعالى لما كان المراد الرؤية العلمية صح كون الربوبية مفعول نرى ترجيح كون الملكوت أعظم الملك فقوله ( وملكها ) عطف تفسير لها قوله في سورة الفاتحة سمي بالرب المالك لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه يدل على ما ذكرنا . قوله : وهو حكاية حال ماضية وذلك يكون في الأمور العجيبة الشأن ولما كان رؤية إبراهيم ملكوت السماوات والأرض أمرا عجيب الشأن عبر عن ذلك بصيغة المستقبل للدلالة على الاستمرار ويؤيده ما روي عن إمام الحرمين أنه يقول معلومات اللّه غير متناهية ومعلوماته في كل واحد من تلك المعلومات أيضا غير متناهية وذلك لأن الجوهر الفرد يمكن وقوعه في احياز لا نهاية لها على البدل ويمكن اتصافه بصفات لا نهاية لها على البدل وكانت تلك الأحوال التقديرية معلومة للّه تعالى وكل من تلك الأحوال التقديرية يدل على حكمة اللّه تعالى وقدرته أيضا وإذا كان الجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزىء كذلك فكيف القول في كل ملكوت اللّه فثبت أن دلالة ملك اللّه وملكوته على نعت جلاله وسمات عظمته وعزته غير متناهية وحصول العلوم التي لا نهاية لها دفعة واحدة في عقول الخلق محال فإذا لا طريق إلى تحصيل تلك إلا بأن يحصل بعضها عقيب البعض لا إلى نهاية في المستقبل على سبيل الاستمرار والتدريج فلهذا السبب واللّه أعلم لم يقل وكذلك أريناه ملكوت السماوات والأرض بل قال وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وهذا هو المراد من قول المحققين السفر إلى اللّه له نهاية وأما السفر في اللّه فلا نهاية له وللإمام ههنا دقيقة عقلية وهي أن أنوار جلال اللّه لائحة غير منقطعة والأرواح البشرية لا تصير محرومة عن تلك الأنوار إلا لأجل حجاب وذلك الحجاب ليس إلا الاشتغال بغير اللّه وبقدر ما يزول ذلك الحجاب يحصل التجلي فقول إبراهيم أتتخذ أصناما آلهة إشارة إلى تقبيح الاشتغال بغير اللّه لأن ما سوى اللّه فهو حجاب عن اللّه فلما زال ذلك الحجاب لا جرم تجلى له ملكوت اللّه وكان قوله تعالى وكذلك منشاء لهذه الفائدة . قوله : وقرىء ترى بالتاء ورفع الملكوت على أن يكون الملكوت قائما مقام فاعل ترى وإبراهيم نصب على أنه مفعوله الأول .